يستعرض تقرير كتبه فريق رويترز وهيئة تحرير الجيروزاليم بوست كيف انتهجت دولة الإمارات سياسة خارجية نشطة رسمت من خلالها مجال نفوذ واسعًا في الشرق الأوسط وأفريقيا، عبر تحالفات سياسية، واستثمارات اقتصادية، وأدوار أمنية وعسكرية، بهدف مواجهة الإسلام السياسي وإعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية.
في السنوات الأخيرة، برزت هذه السياسة بوضوح مع تصاعد التوتر بين أبوظبي والرياض في اليمن، بعد فترة طويلة من التنسيق المشترك. وتعكس هذه التحولات رؤية إماراتية تسعى إلى تعزيز نفوذ الدول المركزية ومحاصرة الحركات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، حتى لو أدى ذلك إلى تعقيد الصراعات القائمة، وفق تقديرات أممية وغربية، وهو ما تنفيه الإمارات.
وفي سياق إقليمي يعاني من أزمات اقتصادية خانقة، تبرز الحالة المصرية مثالًا واضحًا على تداخل النفوذ السياسي بالدعم المالي، في وقت تبحث فيه دول مثل مصر عن العملة الصعبة والاستثمارات الخارجية لتخفيف ضغوط اقتصادية متفاقمة.
اليمن: نفوذ غير مباشر وأدوات محلية
أعلنت الإمارات سحب قواتها من اليمن عام 2019، لكنها حافظت على نفوذ قوي عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو كيان انفصالي دربته وسلحته. تنظر أبوظبي إلى المجلس باعتباره حاجزًا في مواجهة حزب الإصلاح، الذي ترى فيه امتدادًا للإخوان المسلمين، وشريكًا في تأمين الممرات البحرية الاستراتيجية.
تصاعد التوتر مؤخرًا بعد غارات قادها التحالف السعودي على ميناء المكلا، استهدفت شحنات أسلحة مرتبطة بالإمارات، وفق الرواية السعودية. وكشف هذا التصعيد عن تباعد المصالح بين الطرفين، رغم سنوات من الشراكة العسكرية. يأتي ذلك في وقت يعاني فيه اليمن من انهيار اقتصادي وإنساني حاد، يعكس كلفة الصراع على الدول والمجتمعات معًا.
إسرائيل والسعودية: تحالفات مرنة وخطوط حمراء
وقّعت الإمارات اتفاقيات أبراهام عام 2020، لتصبح أول دولة خليجية تطبّع علاقاتها مع إسرائيل منذ عقود. أسست هذه الخطوة لتحالف استراتيجي ضد إيران وحركات مسلحة مثل حماس، وفتحت لأبوظبي قناة تأثير مباشرة في واشنطن. ورغم تراجع الزخم الشعبي للعلاقات بسبب حرب غزة، حافظت الإمارات على الروابط الدبلوماسية، مع توجيه انتقادات متكررة للعمليات العسكرية الإسرائيلية.
في المقابل، شهدت العلاقة مع السعودية توترًا غير مسبوق، بعدما حذّرت الرياض من المساس بأمنها القومي، وطالبت القوات الإماراتية بمغادرة مناطق في اليمن. يعكس هذا الخلاف صراعًا هادئًا على النفوذ الإقليمي، في لحظة تواجه فيها المنطقة أعباء اقتصادية متزايدة، تضغط على موازنات الدول الكبرى والصغرى على حد سواء.
مصر وأفريقيا: المال كأداة نفوذ
تُعد مصر أحد أهم حلفاء الإمارات منذ عام 2013، إذ قدّمت أبوظبي دعمًا ماليًا وسياسيًا واسعًا للقاهرة، انطلاقًا من موقف مشترك معادٍ للإخوان المسلمين. وفي عام 2024، وقّع صندوق الثروة السيادي الإماراتي «ADQ» صفقة بقيمة 35 مليار دولار لتطوير جزء من الساحل الشمالي المصري، ما شكّل دفعة حيوية لاقتصاد يعاني نقصًا حادًا في العملة الأجنبية وارتفاعًا في الديون.
يمتد النفوذ الإماراتي إلى السودان، حيث وجّهت تقارير أممية اتهامات لأبوظبي بدعم قوات الدعم السريع في الحرب الأهلية، وهي اتهامات تنفيها الإمارات وتؤكد أن دورها إنساني فقط. كما عززت علاقاتها مع تشاد عبر تعاون عسكري واقتصادي، ومع ليبيا عبر دعم خليفة حفتر، سعيًا لإقصاء قوى إسلامية مدعومة من تركيا.
في القرن الأفريقي، استثمرت الإمارات في ميناء بربرة في أرض الصومال، ونسجت علاقات أمنية واقتصادية عميقة معها، في خطوة تهدف إلى تأمين طرق التجارة وموازنة نفوذ قطر وتركيا. وساهمت أبوظبي، وفق تقارير، في تسهيل اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، ما يعكس تشابك الأدوار الدبلوماسية والأمنية.
تكشف سياسة الإمارات عن نموذج نفوذ متعدد الأدوات، يجمع بين المال والسلاح والدبلوماسية. لكن هذا النموذج يتحرك في بيئة إقليمية مثقلة بأزمات اقتصادية، من مصر إلى السودان واليمن، ما يطرح أسئلة مفتوحة حول كلفة النفوذ وحدوده في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية وسياسية عميقة.
https://www.jpost.com/middle-east/article-881923

